محمد أبو زهرة
2203
زهرة التفاسير
والأحبار حفظوا كتاب الله تعالى بإلهامهم طلب الحق والعلم وتوجيههم نحو الخير ، وكان حفظهم مؤكدا ؛ لأنه استجابة لطلب الله تعالى الخبير ، وحفظ الكتاب بعلم ما اشتمل عليه ، ومنعه من الضياع والتحريف ، وتنفيذ الأحكام التي يأمر بها ، وطاعته فيما ينهى . وكان أولئك الربانيون والأحبار شهداء ، أي رقباء يحافظون على نصوصه كاملة ، ويشهدون بصدق ما نزل من عند الله ، ويردون المحرف ، وكانوا أيضا رقباء على تنفيذه ، بحيث ينفذ من غير عوج . فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا الخشية هي الخوف مع تعظيم المخشى ومحبته ، فليست مرادفة لمعنى الخوف ؛ لأن الخوف أعم من أن يكون من مرهوب معظم محبوب ، أو مرهوب مبغض ذميم ، أو فيه مهانة لا عظمة فيه ؛ ولذلك عبر عن الأخيار بالنسبة لله تعالى بالخشية دون الخوف ، ومن ذلك قوله تعالى : . . . إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ . . . ( 28 ) [ فاطر ] . وقوله تعالى : . . . وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ . . . ( 11 ) [ يس ] . وقال سبحانه : . . . وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ ( 21 ) [ الرعد ] . و « الفاء » في قوله تعالى : فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ هي للإفصاح ، والمعنى : إذا كان الكتاب قائما وثابتا ، ونفذه السلف والخلف إلى ما بعد عصر النبيين ، فلا تخشوا الناس ، والتعبير عن خوف الناس وملامتهم بالخشية من قبيل المشاكلة اللفظية ، في مقابل قوله تعالى : وَاخْشَوْنِ . أي أن الله تعالى هو وحده الجدير بأن يخشى ، كما قال تعالى : الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ . . . ( 39 ) [ الأحزاب ] . والخطاب موجه إلى اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم وعلمائهم ، وفي الكلام يكون التفات إذ انتقل الكلام من أخبار الأخيار منهم إلى خطابهم ، والمعنى : لا تخافوا ملامة الناس ولكن أخشوا الله تعالى وحده ، فلا تمالئوا الأقوياء وتركنوا إليهم ، بل اجعلوهم جميعا سواء مع غيرهم من الضعفاء كما كان يفعل النبيون